القرطبي
300
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
التاء وكسر اللام على الفعل المجهول . ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) وهو الاسلام ، كما قال تعالى : " ورضيت لكم الاسلام دينا " [ المائدة : 3 ] وقد تقدم ( 1 ) . وروي سليم بن عامر عن المقداد ابن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الاسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها ) . ذكره الماوردي حجة لمن قال : إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم ، وهو القول الثاني ، على ما تقدم آنفا . ( وليبدلنهم ) قرأ ابن محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف ، من أبدل ، وهي قراءة الحسن ، واختيار أبى حاتم . الباقون بالتشديد ، من بدل ، وهي اختيار أبى عبيد ، لأنها أكثر ما في القرآن ، قال الله تعالى : " لا تبديل لكلمات ( 2 ) الله " [ يونس : 64 ] . وقال : " وإذا بدلنا ( 3 ) آية " [ النحل : 101 ] ونحوه ، وهما لغتان . قال النحاس : وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : قرأ عاصم والأعمش : " وليبدلنهم " مشددة ، وهذا غلط عن عاصم ، وقد ذكر بعده غلطا أشد منه ، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف . قال النحاس : وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا ، وأنه يقال : بدلته أي غيرته ، وأبدلته أزلته وجعلت غيره . قال النحاس : وهذا القول صحيح ، كما تقول : أبدل لي هذا الدرهم ، أي أزله وأعطني غيره . وتقول : قد بدلت بعدنا ، أي غيرت ، غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الاخر ، والذي ذكره أكثر . وقد مضى هذا في " النساء " ( 4 ) والحمد لله ، وذكرنا في سورة " إبراهيم " الدليل من السنة على أن بدل معناه إزالة العين ، فتأمله هناك ( 5 ) . وقرئ : " عسى ربنا أن يبدلنا ( 6 ) " [ القلم : 32 ] مخففا ومثقلا ( يعبدونني ) هو في موضع الحال ، أي في حال عبادتهم الله بالاخلاص . ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم . ( لا يشركون بي شيئا ) فيه أربعة أقوال : أحدها - لا يعبدون إلها غيري ، حكاه النقاش . الثاني - لا يراءون بعبادتي أحدا . الثالث - لا يخافون غيري ، قاله ابن عباس . الرابع - لا يحبون ، غيري قاله مجاهد . ( ومن كفر بعد ذلك ) أي بهذه النعم . والمراد كفران النعمة لأنه ، قال تعالى : ( فأولئك هم الفاسقون ) الكافر بالله فاسق بعد هذا الانعام وقبله .
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 63 . ( 2 ) راجع ج 8 ص 358 . ( 3 ) راجع ج 10 ص 176 . ( 4 ) راجع ج 5 ص 425 . ( 5 ) راجع ج 9 ص 382 . ( 6 ) راجع ج 18 ص 244 .